تحاليل

في حوار للدكتور ورئيس قسم القلب والشرايين بباريس محمد غنّام: لم يتم إيلاء أهمية لمسألة هجرة الأدمغة في تونس وليس لدينا سياسة واضحة

في حوار للدكتور ورئيس قسم القلب والشرايين بباريس محمد غنّام: لم يتم إيلاء أهمية لمسألة هجرة الأدمغة في تونس وليس لدينا سياسة واضحة

08 افريل 2021 12:43 منال خلفاوي
اختار مجال الطب ودرسه في جامعة "Faculté de médecine Larboisière Saint Louis à PARIS " في باريس، وإجتاز بإمتياز كل المناظرات ليصبح بروفيسور وباحث في الجامعات الفرنسية والتونسية ورئيس قسم القلب في باريس، إلى جانب مسيرته المهنية تميز بإنخراطه في العمل الجمعياتي.  
 
أدار النشرية الطبيّة «الحكيم» التي تصدر بفرنسا وهو عضو بالهيئة الفرنسية والهيئة الأوروبية لأمراض القلب وعضو مؤسس للجمعية التونسية الفرنسية لطب القلب.
 
تولّى رئاسة العديد من الجمعيات من بينها الجمعية الفرنكوفونية لطب القلب وجمعية الأطبّاء من أصل مغاربي في فرنسا وجمعية أطبّاء القيروان وجمعية قدماء معهد المنصورة الذي زاول به تعليمه الثانوي. كما يُعَدّ من أهم مؤسّسي نادي القرن «Club du 21ème siécle».
 
وتميّز بنوعية تدخلاته في المؤتمرات واللقاءات الدولية وبقيمة مقالاته العلمية بالنشريات والمجلات الطبيّة، وشارك في تنظيم وإدارة العديد من المؤتمرات الطبية الهامة.
 
نال وسام الشرف بماتينيون سنة 2004 من طرف الوزير الأوّل الفرنسي آنذاك «Jean Pierre Raffarin» نظرا لكفاءته العالية التي جعلت منه أحد أبرز جرّاحي القلب بالقسطرة في العالم ممّا أهله ليكون قريبا من جاك شيراك عندما كان رئيسا لفرنسا.
 
أصدر كتاب في باريس بعنوان"Manuel Pratique De Prévention et Réadaptation Cardiovasculaire" وتم تكريمه في فرنسا.
 
كتابه الثاني حول طب القلب التداخلي بعنوان "Cardiologie interventionnelle" تم إصداره في باريس وسيتم نشره في أفريل الجاري. 
 
 
حوارنا اليوم مع الدكتور ورئيس قسم القلب والشرايين بباريس والنائب السابق بالبرلمان التونسي "محمد غنّام". 
 
- هل ساهم المصعد الإجتماعي في نجاحك؟
 
أنا أصيل قرية العلم من ولاية القيروان، أنتمي إلى عائلة فقيرة، أخذت الدولة على عاتقها مصاريف الدّراسة ودرست مجاناً إلى حدود السنة السابعة، وجدت المساعدة من العائلة التي كانت تحفزّني في جميع المراحل، ولم يكن هناك خيار سوى الدراسة والنّجاح لتحدي الفقر.
 
كنت الأوّل تقريبا في جميع سنوات الدراسة، وعندما تحصّلت على الباكالوريا إختصاص رياضيات سنة 1975، تم اختيار 3 أشخاص للتّحضير للمدارس العليا في باريس ولكن خرجت بعد ثلاثة أشهر لأني كنت منذ البداية مهتم أكثر بمجال الطب.
 
عندما اخترت مجال الطب كان لدي الكثير من الحظوظ بإعتبار أنه يتم قبول فقط 10 بالمائة ونجحت من بين الثلاثة الأوائل المتميزين.
 
بعد ست سنوات في الجامعة قمت باجتياز مناظرة وقمت باختصاص طب القلب والشرايين "cardiologie".
 
ونجحت بأن أكون في النهاية أستاذ و باحث في الطب. و رئيس قسم الأمراض القلبية بمستشفى "ليوبولد بيلون"، و رئيس قسم أمراض القسطرة بمستشفى "قوناس".
 
- ماهو تقييمك للوضع الوبائي لجائحة "كورونا" في فرنسا والإجراءات التي اتخذتها السلطات الفرنسية؟ 
 
أرى أن فيروس كورونا فاجئنا جميعا وهو يتطور بشكل مستمر، وأعتقد أن فرنسا أدارت الوضع بطريقة مقبولة، بالرغم من وجود بعض الأخطاء الاستراتيجية، المشكل الأساسي يتمثل في عدم توفّر دواء لهذا المرض، لدينا فقط أدوية للتخفيف من تعقّد المرض وحتى الإجراءات الوقائية التي تمّ اتخاذها كان الهدف منها تخفيف انتشار الفيروس لتجنب الضغط على المستشفيات.
 
الجديد اليوم أن السلالة الأولى من فيروس كورونا لديها انتشار أقل مقارنة بالسلالة الجديدة وتتعقد وضعية المريض بعد 7 و10 أيام من بداية المرض ويمسّ أكثر كبار السن على عكس السلالة الجديدة التي تتميز بسرعة انتشارها وهي أكثر تعقدا ولا تمس كبار السن فقط بل يمكن أن تصيب الفئات الأقل عمرا حتى وإن كانوا لا يعانون من أمراض علما وأن تعقّد الحالات أصبح بعد 21 يوما من الإصابة بالفيروس.
 
ظهر أكثر من نوع للقاحات المضادة لفيروس كورونا، تقييمكم لمدى فاعليّة هذه اللقاحات؟
 
بالنسبة للتلاقيح المستعملة في فرنسا يتمتع تلقيح "فايزر" و"موديرنا" بفعالية جيّدة ويتمتع لقاح "أسترازينيكا" بفعالية أقل نوعا ما ونحن في إنتظار لقاح "جونسون اند جونسون".
بالنسبة للأعراض الجانبية لهذه اللقاحات، عندما بدأنا عملية التلقيح بـ"فايزر" توفي 33 مواطنا في النرويج ولم تثبت إلى حدّ الآن وفق التحاليل أيّ صلة بين حالات الوفاة والتلقيح.
 
وحدث نفس الشيء مع لقاح "أسترازينيكا" من حيث تسجيل وفيّات بعد تلقيها التلقيح، وتبعا لذلك تمّ وضع فرضيّة أنّ هذا اللقاح له أعراض جانبية لكن ذلك في اعتقادي خاطئ لأن التحاليل و الدراسات لم تثبت الى حد الان الصّلة بين حالات الوفاة واللقاح.
 
- في فرنسا توفيّ مؤخرا طالب فرنسي يدرس في كلية الطب ولا يعاني من أمراض، بعد 10 أيام من تلقيه لقاح "أسترازينيكا"، وأذنت السلطات الفرنسية بفتح تحقيق في هذا الشأن، ثم تم بعد ذلك تشريح الجثة بعد يوم من الوفاة، هل لديكم أيّ تفاصيل عن نتائج التحقيقات وهل تعتقدون أن الوفاة لها علاقة باللقاح؟
 
لدينا 6 ملاين شخص وقع تلقيحهم بـ"أسترازينيكا" في بريطانيا وتعقّد المرض لدى 30 شخصا فقط أي ظهور أعراض جانبية لديهم تبقى نسبة ضعيفة مقارنة بعدد الأشخاص الذين تلقّوا هذا النوع من اللقاح.
 
أمّا بخصوص الطالب، فقد توفيّ بسبب جلطات في الدم ومن المؤكد أن لقاح "أسترازينيكا" يمكن أن يتسبب في جلطات وهو فعلا ما وقع لدى البعض.
 
ولكن بالنسبة للطالب الذي توفي مؤخرا لا نعلم حتى الآن هل كان يعاني من أيّ مرض يمكن أن يتسبّب في جلطات بعد تلقيه اللقاح فضلا عن غياب معطيات بخصوص وجود صلة بين الوفاة واللقاح.
 
يجب معرفة أن لقاح أسترازينيكا يمكن أن يتسبب في جلطات وبنسبة أقل مقارنة بنسبة الأشخاص الذين تم تلقيحهم، ومن تعرضوا إلى جلطات بعد تلقيهم لقاح "أسترازينيكا" يمكن أن يكون لديهم مرض آخر. 
 
 
هل تعتقد أن الأشخاص الذين تعرّضوا من قبل إلى جلطات هم أكثر عرضة إلى الأعراض الجانبية للقاح؟
 
نعم بالتأكيد، كل الأشخاص الذين تعرضوا إلى جلطات أو يعانون من أمراض القلب.. يتعقد لديهم المرض أكثر.
 
- الشركة المنتجة للقاح "أسترزينيكا" أعلنت في 22 مارس أن لقاحها فعّال بنسبة 79 بالمائة إلا أنها خفّضت نسبة الفعالية إلى 76 بالمائة فيما بعد، ما تعليقكم على ذلك؟
 
بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية إذا كان اللقاح فعّال بنسبة أكثر من 53 بالمائة فهو ناجع ولا يوجد فرق كبير بين 79 بالمائة و76 بالمائة ولا يوجد تلقيح له منافع بنسبة مائة بالمائة. 
 
- أكثر من 20 دولة علّقت إستخدام لقاح "أسترازينكا"، هل تنصح الدول التي لم تعلّق بعد إستخدامه بمواصلة اعتماده؟
 
 يجب مواصلة إعتماده وحتى الدول التي لم تعتمده بعد وتنتظر تسلّم شحنات من "أسترازينيكا" يجب أن تستخدمه.
 
- فرنسا سجّلت أكثر من 93 ألف حالة وفاة بكورونا منذ بداية الجائحة ما تعليقكم على ذلك؟
 
عدم إمتلاك فرنسا للقاح مضاد لكورونا يعتبر نقطة سوداء مقارنة بعدة دول أخرى على غرار أمريكا، ألمانيا، الصين، روسيا، الهند و أنجلترا.. بالرغم من أن فرنسا دولة كبرى ودولة باستور لم تقم بعملية تصنيع اللقاح وهو أمر مؤسف.
 
وبخصوص معهد باستور فهو يعمل الآن على تصنيع لقاح بالأنف لأنهم افترضوا أن الفيروس يمر عبر الأنف والمسالك التنفسية وعندما يكون التّلقيح عبر الأنف يصبح فعّال أكثر ضد مختلف السلالات وتصبح للمسالك التنفسية مناعة ويمنع الإصابة بالسلالات الجديدة، وتم تجربته على الحيوانات، وسينطلقون في التجارب على الانسان، وإذا نجح التلقيح ففي الصيف سيكون لدينا لقاح فرنسي ضدّ "كورونا".
 
- في إطار إختصاصكم كطبيب قلب كيف ترون تأثيرات الإصابة بكورونا على القلب وهل تتواصل لسنوات حتى بعد تعافي المريض؟
 
في بداية انتشار الفيروس كنا نظن أنه يصيب الرئة فقط ويمنع وصول الأكسيجين إليها ولكن هناك شيء اخر دفعنا للإهتمام أكثر بالكوفيد وهو أنّه يتسبب في جلطات دموية صغيرة يمكن أن تمس المخ القلب، الكلى والكبد وهناك جلطات قلبية  تنجر عن الكوفيد تتواصل لسنوات حتى بعد تعافي المريض.
 
أنت نائب سابق في البرلمان التونسي وكانت لك رؤية لإصلاح المنظومة الصحية في تونس وترجمتها في البرلمان من خلال مشروع قانون أهم نقاطه الشراكة بين العام والخاص في مجال الصحة؟
 
المشكل اليوم في تونس أن لدينا برلمان أحزاب بإمتياز، إذ لا يتم الأخذ بعين الاعتبار مزايا القوانين بل يتم النظر إلى المسألة كمسألة سياسية ولأي حزب تنتمي اي الجهة التي قدمت مشروع القانون ولتمرير قانون يجب أن تكون منتم إلى كتلة أغلبية بالبرلمان.
 
- في إعتقادكم ماهو الحل اليوم لتجاوز هذه الإشكالية؟
 
يجب تغيير النّظام الإنتخابي أي نظام التمثيل النسبي لأنه لا يسمح بوجود أغلبية برلمانية لكن لا ينبغي تغيير النظام البرلماني لان النظام البرلماني أثبت صلوحيته فهو يمنع تفرد أي طرف بالسلطة، لدينا ثلاثة رؤساء، رئيس البرلمان، رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ولا يمكن لاي طرف منهم الحكم لوحده.
 
- ماهو تصوّركم ومقاربتكم للعمل السياسي؟
 
أرى أن المسؤولية اليوم يتحمّلها النّاخب التّونسي والنخبة السياسية ولا يمكن تغيير السياسيين إلا بتغيير أنفسنا لأن النّاخب التّونسي هو الذي يختار في نهاية المطاف النّخب السياسية الموجودة حالياً، ولا يمكن القول أن الخطأ والمسؤولية تتحملها فقط النخبة السياسية لأن المواطن مسؤول بدوره عن الوضع الحالي  وحاليا المشكل الكبير الذي عمّق الأزمة السياسية في تونس يتمثل في تهميش  هيئات الدّولة وعدم إحترامها ويجب بالتالي تطبيق القانون وإحترام مؤسسات الدولة.
 
إضافة الى ذلك لم تقم النخبة السياسية  بدورها بعد الثّورة كما ينبغي، والحل لا يكون إلا بالديمقراطية ولا يمكن تغيير الوضع إلا عبر الصندوق والتصويت ويجب تطبيق القانون.
 
- ما تعليقكم على تواصل نزيف هجرة الأطباء وهل لديكم رؤية لوضع حد لهذا النزيف؟
 
السبب الرئيسي الذي دفع الأطباء إلى الهجرة هو المناخ الذي يشتغلون فيه والذي يعاني من نقص كبير في التجهيزات إضافة إلى عدم إحترامهم وعدم إحترام المستشفيات و نظامها الداخلي.
 
وإلى جانب ذلك، لم يتم إيلاء أهمية كبرى لمسألة هجرة الأدمغة في تونس وطرحها كمشكل وطني، إذ لم يتم طرح الموضوع في مجلس النّواب ولا في الحكومة، إضافة إلى غياب الإحصائيات بخصوص عدد الأطباء التّونسيون الذين هاجروا، كما أنه ليس لدينا سياسة واضحة بخصوص هجرة الأدمغة.
 
والحل يتمثل في وضع سياسة هجرة.. كما يجب تحسين الوضع في تونس لتوفير مناخ عمل ملائم للأطباء، إذ من بين ما يقارب 420 طبيب إختصاصي في السنة، هاجر إلى أوروبا بصفة عامة و الى فرنسا بصفة خاصة تقريبا 400 طبيب ومن بين جميع الاختصاصيين في تونس بقي فقط 10 وهي "كارثة".
 
 
 
08 افريل 2021 12:43

المزيد

بيريز الطرابلسي: 80 بالمائة من ممتلكات اليهود تمّ الاستيلاء عليها ورفضت تولّي ابني روني الطرابلسي حقيبة وزارية

    "كي تقول الغريبة تقول بيريز الطرابلسي" هذا ما قاله لي الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي خلال استقبالي في القصر الرئاسي  هكذا أجابنا ضيفنا رئيس جمعية معبد ...

28 اكتوبر 2021 12:42

لا حسيب ولا رقيب على الرئيس... سعيّد أمام خيارَيْن والبرلمان إنتهى

 لم يعد يفصلنا على انتهاء مدة الـ30 يوما التي حددها رئيس الجمهورية للعمل بالاجراءات الاستثنائية والقرارات المعلن عنها تزامنا مع عيد الجمهورية  في 25 جويلية 2021 ...

19 اوت 2021 14:33

هل عادت "الشرطة السلفيّة" من جديد ؟

ملتحون مترجلون أو ممتطون لسيارات أو دراجات نارية يتنقلون مسلحين بسيوف وهراوات، رافعين راية "العقاب".   هؤلاء المارقون عن القانون نصبوا أنفسهم كحماة للأخلاق والدين ...

03 جوان 2020 09:00

الدكتور عبد اللطيف الحناشي يكتب لـ"آخر خبر أونلاين": الحزب الحر الدستوري التونسي 1920-2010: بين الماضي والحاضر

يعتبر الحزب الحرّ الدستوري التونسي من أقدم الأحزاب الوطنية التي برزت في العالم العربي، وهو إلى جانب قيادته للحركة الوطنية التي حرّرت البلاد من الاستعمار الفرنسي ...

07 مارس 2020 14:32

بعيدا عن القضبان...رحلة مع سجينات سابقات يبحثن عن إنسانيّتهنّ و لقمة عيشهنّ داخل مجتمع أنكرهنّ

    جلست داخل  احدى المقاهي الشعبية  بملامحها الشاحبة و جسدها الضعيف و ساقييها  ترتعشان  من  القلق. تتصل هاتفيا  ريم   وهي محملة بالأماني بمكتب التشغيل بالعاصمة  ...

01 مارس 2020 17:21